ابن بسام
313
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ثم انثنيت وفي قلبي لفرقتهم * وقع الأسنّة في أعقاب منهزم وكتب يخاطب المستنصر باللّه صاحب مصر : حصّن اللّه المؤمنين من الشيطان [ بجنن ] الطاعة ، ودثّرهم من قرّ وسواسه بسرابيل القناعة ، ووهبهم من نعمه مددا ومن توفيقه رشدا ، وصيّرهم إلى منهج الإسلام وسبيله الأقوم ، وجعلهم من الآمنين فيما هم عليه موقوفون ، وزيّنهم بالتثبّت فيما هم عنه مسؤولون : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( فصلت : 46 ) . كتابي إليك من الجبّ بإزاء مصرك ، وفناء برّك ، بعد أن كانت بغداد لي الوطن ، والألفة والسّكن ؛ ولما كنت على مذهب صحيح ، ومتجر ربيح ، كثرت عليّ الخوارج ، وشقّ [ على ] الماء ارتقاء المناهج : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( الحج : 40 ) فأتيت مكة - حرسها اللّه - لكي أقضي فرض الحج ، من عجّ وثجّ ، أسأل اللّه تعالى القبول ، وكيف وإنما يتقبّل اللّه من المتقين ؛ وقد كنت عندي ذا سنّة ودين ، محبّا في اللّه تعالى وفي النبيّين ، وفي محمد صلّى اللّه عليه وسلم والمهديين ، فورد الناطقون ، وأتى المخبرون ، بخبر ما أنت عليه ، فذكروا أنّك مدحض لمذهب مالك ، موعد [ 148 ] لصاحبه بأليم المهالك ، هيهات هيهات إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( الزمر : 30 - 31 ) فأبيت القبول على أمر لم يصحّ بيانه لكثرة الكذب في الدنيا ، وإذ لا يحلّ لمسلم أن يموت طوعا ، فأردت الكشف عن ذلك بكتاب منك ، والسلام على من اتّبع الهدى . جواب المستنصر باللّه : حرس اللّه مهجتك ، وطوّل مدّتك ، وقدّم أمير المؤمنين إلى المنية قبلك ، وخصّه بها دونك ، ورد كتابك المكرّم ، وأتى خطابك المعظّم ، يفصح البكم ، وينزل العصم ، هبّت عليه رياح البلاغة فنمقته ، ووكفت / عليه سحائب البراعة فرقّقته ، فيا له من خطّ بهيّ ، ولفظ شهيّ ، تذكر فيه حسن ظنونك بنا ، وتثبت مآثرنا ، فلما أن عرّست بإزائها ورد من فسخ عليك ، فخذ بظاهر ما كان عندك ورد ، ودع لربّك علم ذات الصدور ، والسلام .